العلامة المجلسي

275

بحار الأنوار

أي مثله في عظمه وتخويفه ، يتطاير على الكافرين من كل جهة - نعوذ بالله منه - وهو واحد القصور من البنيان ، والعرب تشبه الإبل بالقصور ، وقيل : " كالقصر " أي كأصول الشجر العظام ، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر فقال : " كأنه جمالت صفر " أي كأنه أنيق سود لما يعتري سوادها من الصفر ، قال الفراء : لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة ، ولذلك سمت العرب الإبل صفرا ، وقيل هو من الصفرة لان النار تكون صفراء . وفي قوله تعالى : " إن جهنم كانت مرصادا " يرصدون به ، أي هي معدة لهم يرصد بها خزنتها الكفار ، وقيل : مرصادا محبسا يحبس فيه الناس ، وقيل : طريقا منصوبا على العاصين فهو موردهم ومنهلهم ، وهذا إشارة إلى أن جهنم للعصاة على الرصد لا يفوتونها " للطاغين مآبا " أي للذين جازوا حدود الله وطغوا في معصية الله مرجعا يرجعون إليه ومصيرا ، فكأن المجرم قد كان باجرامه فيها ثم رجع إليها " لابثين فيها أحقابا " أي ماكثين فيها أزمانا كثيرة ، وذكر فيه أقوال : أحدها أن المعنى : أحقابا لا انقطاع لها ، كلما مضى حقب جاء بعده حقب آخر ، والحقب : ثمانون سنة من سني الآخرة . وثانيها أن الأحقاب ثلاثة وأربعون حقبا ، كل حقب سبعون خريفا ، كل خريف سبعمائة سنة ، كل سنة ثلاث مائة وستون يوما ، كل يوم ألف سنة ، عن مجاهد . وثالثها أن الله تعالى لم يذكر شيئا إلا وجعل له مدة ينقطع إليها ، ولم يجعل لأهل النار مدة بل قال : " لابثين فيها أحقابا " فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل حقب آخر ، ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين ، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود في النار ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة ، كل يوم من تلك السنين ألف سنة مما نعده . ورابعها أن المعنى : لابثين فيها أحقابا لا يذوقون في تلك الأحقاب إلا حميما وغساقا ، ثم يلبثون يذوقون فيها غير الحميم والغساق من أنواع العذاب ، فهذا توقيت لأنواع العذاب لا لمكثهم في النار وهذا أحسن الأقوال .